الصفحة الرئيسية للسيد طعمة السعدي 
Home      بعيدا عن السياسة 20 كانون أول 2005 ب
Print this pageAdd to Favorite

بعيدا" عن السياسة ، قريبا" من السياسة

وفي بحور العلم والمعرفة

 

طعمة السعدي / لندن 20 كانون أول  2005

 

 

نحن هنا على هذه الأرض ، شئنا أم أبينا. هذا هو واقع الحال. أنت تقرأ هذا الكلام ، أو هذه المقالة دون موعد. دون معرفة سابقة أو تخطيط. تماما" كما وجدت في هذا الكون دون أن يكون لك رأي في كينونتك ووجودك أو رحيلك عنه . قد تعرف الكاتب أو لا تعرفه. وهو لا يعرف من يقرأ ما يكتب دون أدنى شك.  في هذا الزمان ، أنت تقرأ هذه الأسطر بعد ثوان من كتابة هذه المقالة ونشرها  لتصبح  بين يديك.

 

لو حدث هذا قبل قرون لأدعى كتاب المقالات أو التقارير الأخبارية والناشرون أنهم نفر من الجن وأن لديهم ملائكة لهم خادمين.  ولصدقهم الناس واتبعوهم. ولما اكتفوا بذلك ، بل لفرضوا على القوم ما كانوا يشتهون. ولقالوا لخلق الله اسمعوا وأطيعوا إن نحن إلا لكم منذرون. وهددوهم بما لا يرضاه الله لخلقه ولا يقبله عقل ولا منطق ولا عدل . وبئس ما كانوا سيفعلون.

 

لماذا نحن هنا على هذا الكوكب، ومنذ متى ؟ أنا لا أعلم. وأنت لا تعلم . ولماذا ؟ وكيف ؟ والى متى ؟

 يقول العلماء أنهم اكتشفوا جثثا" لبشر تعود إلى عشرات الملا يين من السنين ، وأخبرتنا الأديان أن عمر البشرية منذ آدم لحد الآن لا يتجاوز البضعة عشر ألفا" من السنين. من يدعي أنه يعلم علم اليقين ، فهو جاهل بأمور هذا الكون منذ الانفجار الهائل الذي تبين قبل وقت قريب أنه كان نتيجة اصطدام كونين اثنبن قبل بضعة عشر بليونا" من السنين الضوئية وليس نتيجة انفجار كون واحد مركز وذي كثافة هائلة لا يتصورها العقل كما كانت تنص عليه نظرية الانفجار الهائل. ولنترك معنى ذلك لئلا يصيب بعضنا الدوار وتقفز بعض (السدائر والقبعات) من على بعض الرؤوس التي لا تفهم أو تظن أنها هي وحدها التي تفهم و من يمتلك الحقيقة. ويصدقها المغفلون. ومن يظن أن هذا الكون مختزل في جزيرة العرب أو الشرق الأوسط أو أم الدنيا أو خالتها أو  في الكرة الأرضية أو المجموعة الشمسية أو مجرة التبانة التي هي بكاملها ليست إلا  مثل حبة رمل على شاطئ محيط لا نهاية له بكل ما تعنيه هذه الكلمة  ، ممكن اختصار تسميته  (هذا المحيط) بالكون المتمدد في كافة الاتجاهات والمتعدد الأبعاد الذي لا تحده سماوات ولا جبال ولا أوتاد ولا عماد  بشكل مذهل يفوق تصور كل العباد قديما" وحديثا" و دائما وأبدا".

 

ومختصر الكلام هو أن الكون لمن لا يعلم ، أومن  يظن أن بإمكانه اختزاله في مقالة أو في  كتاب أو تعليمات أو نبوءات أو تصورات أتى بها الأولون أو المتأخرون، شيء لا يمكن تصوره أبدا" . لا في ما كتبه الأولون ولا في كتب من أتوا بعدهم حتى قرون قريبة ، بل وحتى هذه اللحظة. وان تصورناه (الكون) فلا يمكننا ادراكه ، وان أدركناه (وهذا مستحيل) فسنقف حيارى أمام تحركه وتبدله في أجزاء لا نستطيع إدراكها في مقاييس الزمن التي نعرفها . لأن الثانية التي هي جزء من ستين جزء من الدقيقة الواحدة  في عرفنا ومعرفتنا على قصرها في ساعاتنا الزمنية الميكانيكية أو الإلكترونية أو الذرية أو الحياتية ( البايولوجية- كساعة القلب والتنفس التي تتكرر في كل دقيقة-)  هي عصور طويلة بمقياس حركة الكون،  وما حدث به من أحداث ، وسرعته التي تقاس بأجزاء من المليون  من الثانية الواحدة التي قاسها أجدادنا الأفاضل في بابل وآشور يوم قاسوا زمن السنة الشمسية (وليست القمرية التي لا تعني شيئا" في مفهوم العلم والتأريخ) بدقة متناهية . وقسموا السنة إلى أشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثوان لازلنا نعمل بها وبفضلها لحد الآن. بل قسموا قبل ذلك الدائرة إلى 360 درجة والدرجة إلى 60 دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية مما أصبح أساسا" لعلم الفلك والهندسة المستوية ثنائية الأبعاد. ويومها كان أجداد البدو الذين يفجرون المفخخات في بغداد وغيرها من مدن هذا البلد العظيم العريق بتسهيلات من خونة العراق وناكري نعمته  لا يعرفون إلا الكر والفر وحلب الناقة والغدر بالجار وسبي النساء  وإراقة الدماء وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق،  كما لا زالوا يفعلون.

 

 ومقابل ذلك ومذ خلق البشرية قبل مئات الملايين من السنين، والى يوم يوعدون ، فان كل قياساتنا الزمنية وما نجادل فيه عن جهل ، إن هو إلا كثوان معدودات في عمر هذا الكون ، وماكان وما سيأتي. وان نحن وما تعلمنا وما سنعلم ، إلا في محيطات من الجهل ، وقلة منا ، ممن نور الله عقولهم ،  وعلمهم ما لم يعلموا لذلك يدركون.

 

لو نظرنا إلى هذا الكون وحقيقة وجودنا وما سبق، وما نحن فيه ، وما سيأتي لصغرت الدنيا في أعيننا وخلدنا إلى محبة بعضنا بعضا" أفرادا" وجماعات ،  شعوبا" وقبائل ، من أتباع الأديان السماوية وغير السماوية. فمن لم يؤاخيك في الدين يؤاخيك في خلقة الله عز وجل كما قال الإمام  العظيم علي بن أبي طالب (ع)، ولانتفت أسباب الحقد والكراهية وقتل الآخرين.

 

يقول الدلاي لاما في كتاب فن السعادة *   إن هدف الإنسان في الحياة هو تحقيق السعادة . وأنا  أوافقه في هذا الرأي تماما". نحن نعمل من أجل تحقيق السعادة لأنفسنا وأبنائنا وأحفادنا وأهلنا وعشيرتنا وقومنا والإنسانية جمعاء، لأننا بشر أسوياء غير منحرفين، وقد قال الإمام علي عليه السلام اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا" واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا". ولتحقيق سعادتنا وسعادة الآخرين نعمل من أجل ضمان وصيانة حقوق الإنسان وإبعاد الظلم عن أنفسنا وعن الآخرين على حد سواء.  وتعمل الجمعيات الخيرية الغربية مثلا"  على توفير المعونات والمساعدات  الإنسانية لكافة الشعوب دون النظر إلى دينهم أو جنسهم أو لونهم كما حدث في زلزال التسونامي (وهي كلمة يابانية تعني الزلزال أو الهزة الأرضية التي تحدث في المحيط) في العام الماضي وفي باكستان هذا العام مثلا".   ونحن نحترم من نختلف معهم في الرأي أو الدين اختلافا" كليا لا لقاء فيه لا في المنظور القريب ولا البعيد. هذا موقف أخلاقي ثابت لمن أخلاق له.

 

وقد قلت في مقالة سابقة أن طبيعة الأشياء فينا توجب الاختلاف بيننا لأننا بشر. ولكل إنسان دماغ خاص به  يفكر فيه ويتخذ قراراته بواسطته وليس بواسطة القلب الذي  لا يعدو عن كونه مضخة ماصة كابسة تغذي الدماغ وبقية خلايا الجسم قاطبة.  والدماغ نفسه منقسما إلى قسمين اثنين يجادل أحدهما الآخر.  ويحتار المرء في بعض الأحيان في اتخاذ قرار معين بسبب اختلاف نصفي الدماغ ،  فيلجأ بعض الجهلة إلى (الخيرة) بواسطة المسبحة . فالعدد الفردي يعني كذا والزوجي يعني العكس. وإذا كان الاختلاف موجود ضمن الدماغ الواحد لدى الإنسان الواحد فتخيل الحال مع عائلة كاملة ، أو قبيلة ، أو أبناء شعب واحد ، أو بين سكان الأرض قاطبة بملياراتهم العديدة.  وقد كان الاختلاف قائما" منذ خلق الله البشرية.  فاختلف إبليس مع خالقه عز وجل ولم يسجد لآدم. ولم يقم الباري عز وجل بقتل إبليس الذي عصى أمره لا ذبحا" بالسيف ولا تفجيرا" بالمفخخات ولا حرقا" بالنار كما يفعل سفلة الأرض وشياطين هذا الزمان من الوهابيين الزرقاويين  ومجرمي القاعدة والصداميين وغيرهم من الكائنات الهمجية المارقة العطشى للدماء.

 

 نحن نفكر ونعمل من أجل تحقيق السعادة بوسائل حضارية ترضي الله ورسله وأنبياءه أجمعين.

أما أولئك النفر الشاذ الهمجي المتوحش الضال فيفكرون بتحقيق السعادة عن طريق قتل الآخرين دون ذنب أو فساد في الأرض متوهمين بغباء لا حدود له أنهم يرتكبون تلك الجرائم البشعة مرضاة" لله وهم في جناته مع الحور العين والأولاد المخلدين سيخلدون. وهم يحلمون بلقاء رسول الله (ص) وتناول الطعام معه فور تحقيق جرائمهم وموتهم بعد قتلهم للأبرياء من بني البشر ،الذين استخلفهم الله في الأرض،  دون ذنب ولا سابق معرفة بهم. وهم بهذا الادعاء  يسيئون إلى رسول الله (ص) إساءة لا حدود لها بادعائهم أنه يكافئ المجرمين القتلة سفاكي دماء الأبرياء ومحولي أجسامهم إلى أشلاء. هكذا علمهم معلموهم الوهابيون المتطرفون وأمثالهم ممن كفروا بقيم السماوات والأرض وارتكبوا كبائر ارتجت لها أرجاء السماوات وأجزاء الكون من أقصاه إلى أقصاه. وهم ومن علمهم الكفر والإجرام وإزهاق أرواح الأبرياء في قعر جهنم لا شفيع لهم ولا ينصرون.

 

لقد أختزل هؤلاء المجرمون الكفرة عالم الدنيا والآخرة بطمع أعمى لا حدود له بحور وجنات لن يروها أبدا".  وان هم إلا في ضلال عجيب. وهم في هذا يسلكون سلوكا" شاذا" كافرا" في سعيهم لتحقيق سعادة موهومة أيضا" في عالم الغيب عندما يبعث الخلق من جديد. وتناسوا وعمت بصيرتهم وأبصارهم عن إدراك أن مصيرهم ومصير محرضيهم من المشايخ و الصداميين في نار تحرق فيها أجسامهم آناء الليل وأطراف النهار هم ومعلميهم وشيوخهم الكفرة المكفرين خالدين فيها إلى ما يشاء الله رب العالمين.

 

كانت السعادة ، وهي شيء نسبي ، وليست شيئا" مطلقا"، تعني لي ولكثير من أبناء جيلي أن نختلي مع كتب هي خير الأصدقاء، وهي أفضل من مجالسة الآلاف ممن يسمون أنفسهم بالشيوخ الوهابيين وغيرهم من المتطرفين الكافرين من كافة الأديان الذين يحللون قتل الأبرياء. فكنا نقرأ الأدب  العربي قديمه وحديثه وكتب الدين والتراث ونتفكر في آيات القرآن الكريم . و نقرأ الأدب الغربي والشرقي وبضمنه الأدب الروسي ، ونقرأ الصحف والمجلات الثقافية الرزينة،  والدوريات الرصينة ، والكتب العلمية. فقرأنا لآينشتاين وجورج كامو وغيرهم من عباقرة العلم في القرن الماضي وللفلاسفة المعاصرين آنئذ ولا زلنا نقرأ ونقرأ، ونفكر ، ونكتب. وتعلمنا لغات أجنبية إضافة إلى الانكليزية.  فكان أحدنا موسوعة ثقافية متحركة يستطيع الكلام في مواضيع شتى لا تمت إلى اختصاصه المهني بصلة. وقد كتبت مقالة علمية في عام 1965 مكونة  من ثلاثة وعشرين صفحة عن الفلك والملاحة الفلكية تضمنت كيفية ظهور المقذوفات والصواريخ  وتطورها منذ اختراع البارود حتى استعمال الوقود السائل وكيف تطورت صناعة الصواريخ على أيدي العلماء الروس والألمان ودور العبقري فون براون في صناعة الصواريخ الألمانية في 1 وفي 2  ** أثناء الحرب العالمية الثانية ثم بينت فيها كيف اشتق إسحاق نيوتن قوانين الدوران حول الأرض  وانعدام الوزن عندما تصل سرعة الصاروخ أو القمر الصناعي 9ر7 كم في الثانية حيث تتعادل قوة الجاذبية الأرضية مع القوة الطاردة (العمركزية) مما ينشأ عنه دوران الجسم أو سفينة الفضاء أو القمر الصناعي حول الأرض. وكذلك سرعة الأجسام التي تتغلب على الجاذبية الأرضية وتنطلق إلى المجموعة الشمسية البالغة 2ر11 كم في الثانية ثم السرعة اللازمة لانطلاق سفن الفضاء إلى خارج المجموعة الشمسية (التغلب على جاذبية الشمس) بسرعة 9ر17 كم في الثانية. وبينت أن سبب الحياة على الأرض هو الطاقة الآتية من الشمس وبدون هذه الطاقة تنعدم الحياة بكافة أشكالها . وسيتم ذلك عند تضاؤل التفاعلات الكيمياوية  الجارية في الشمس وانخفاض درجة الحرارة إلى الصفر المطلق (273 درجة تحت الصفر) وتحول كامل الهايدروجين إلى هليوم . وبعد استنفاذ هذه التفاعلات تنفجر الشمس ويتضاعف حجمها ليصل إلى الأرض وتتحول إلى كتلة باردة ، فتنتهي أسباب الحياة (إن بقي شيء منها) احتراقا" على هذا الكوكب. كتبت هذا وغير ذلك مما لا مجال لذكره هنا وأنا في الثانية والعشرين من عمري وأنا أكتب الآن اعتمادا" على ذاكرتي فقط دون مراجعة أي كتاب.

 

 فماذا يتعلم الإرهابيون ومشايخهم وأراذل الصداميين القتلة؟ لا شيء إلا الشر والإجرام.

 

يتباكى بعض الصداميين على حكم ذهب من أيديهم إلى غير رجعة متوهمين أنه كان حقا لهم ومتناسين في نفس الوقت أنهم سلبوه من الشعب سلبا" عن طريق انقلاب عسكري إجرامي. وتساءلت في رسالة إلى الملوك والرؤساء العرب والمسلمين في رسالة وجهتها لهم من سويسرة في عام 1980 قبيل انعقاد مؤتمر الدول الإسلامية الذي عقد في الطائف في أوائل عام 1981 برعاية الملك خالد بن عبدالعزيز، تساءلت آنذاك كيف يعاقب سارق المال أو المصرف ولا يعاقب سارق إرادة الأمة بانقلاب عسكري كصدام حسين وأمثاله من القادة العرب وما أكثرهم لسوء الحظ؟

 

 على كافة الناس أن يعملوا من أجل سعادة أنفسهم (وهذا أمر طبيعي لا جدال فيه) وسعادة إخوانهم وأبناء وطنهم وغيرهم من أبناء البشرية كافة . هذا هو السبيل إلى مرضاة الله وليس المفخخات والأشلاء المتطايرة وانتهاك الأعراض وإصدار بلاغات أميرية بتزويج بنات الفلوجة اللاتي بلغن العشر سنوات إلى القتلة المجرمين السائبين الزرقاويين.  (وين غيرتكم أيها العرب الأقحاح؟)

 

انظروا كيف يعلل إنسان غير مسلم ومن غير أهل الكتاب، بل بوذي هو الدالاي لاما ضرورة التآخي بين البشر ونسيان الأحقاد والضغائن في هذه الدنيا الفانية فيقول تعليقا" على اغتصاب الصينيين لبلاده (التبت) وبقائه مشردا" في الهند منذ عام 1959 لحد الآن فيقول:

 بإمكانك الارتباط بهم (أعداءه الصينيين) لأنك كائن بشري، ضمن المجموعة البشرية. وأنت ترتبط  بهم بتلك الرابطة. وتلك الرابطة الإنسانية تكفي لتوفير الشعور بالقيمة والكرامة. ومن الممكن أن تصبح تلك الرابطة مصدرا" للمواساة في حالة فقدانك لكل شيء آخر. ***

 

هكذا يتكلم المتحضرون من خلق الله.  وقد هداهم الله إلى قول الحق وهم ليسوا مسلمين. فهل هذا الإنسان أفضل أم أولئك المشايخ الوهابيون الجهلة والصداميون المجرمون وأمثالهم؟

 

وأخيرا" نقول : "ركب الأراذل المتوافدون إلى بلادي مركب كل شر ، وصارت حمير البشر في ربوعنا لهم قطعانا".  ولله في خلقه شؤون.

 

  طعمة السعدي / لندن 20 كانون أول 05

 

 

 

* النص الانكليزي

I believe that the very purpose of our life is to seek happiness.  (The Art of Happiness page 3).

 

**

                                                                                             Von Brown (V1 & V2)

 

*** النص الانكليزي :

 

You can relate to them because you are still a human being, within the human community. You share that bond. And that human bond is enough to give rise to a sense of worth, and dignity. That bond can become a source of consolation in the event that you lose everything else. (page 19 the same reference).